سهيلة عبد الباعث الترجمان

229

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

تاريخ الفكر الإنساني " بالتوحيد الوجودي " « 1 » وهو يهدف إلى إدراك معين للوحدة الإلهية ، وتصور خاص لها على صعيد الوجود المطلق ، ولهذا لا يمكننا أن نجزم بأن أصحاب هذا المذهب التوحيدي ، وخاصة محي الدين بن عربي ومدرسته قد أخذوا فيه بالفكر النظري الفلسفي ، أو أنه نتيجة الفناء الكامل عندهم ، إنما توحيدهم هو توحيد المشاهد الصاحي الذي عبّر عن الرؤية بعين بصيرته ، فأثار حوله الشكوك وأنشأ الخلاف بين دارسيه ، مما جعل البعض يعتبر أن نتائجه نظريّة فلسفيّة على حين اعتبرها البعض الآخر ثمرة سلوك ونتيجة مجاهدات ورياضات روحية وسمو روحي ، وربما كان هذا المبدأ التوحيدي الإلهي في دائرة " الأثولوجيا " هو الذي دعا أنصار " التوحيد الوجودي " إلى الأخذ بفكرة وحدة الوجود كمنطلق لهم في دائرة " الأنطولوجيا " وتمكنوا بذلك من التمييز بين نوعين من التوحيد : " توحيد ألوهي " وهو القول بوحدة الإله " وتوحيد وجودي " وهو القول بوحدة الوجود . ويرون أن بين هذين الضربين من التوحيد نوعا من التكامل إذ أن كلا منهما مكملا للآخر ولا يصح بدونه ، إذ أن كل ثنائية في صعيد " الوجود المطلق " هي في الحقيقة ثنائية في صعيد " اللاهوت المقدس " . وهذا ما يؤكد لنا بأنه إذا ثبت أن ثمّة وحدة إلهية في مستوى " الأثولوجيا " فلا بد من التأكيد بأن ثمة وحدة وجودية مطلقة في مستوى " الأنطولوجيا " ذلك لنفس السبب الذي عنه وجد التوحيد الأول « 2 » . وهكذا يمكننا القول بأن التوحيد بمفهومه الخاص لدى ابن عربي ونظرته الخاصة إليه يعتبران المدخل الأساسي إلى وحدته الوجودية ، والتي حددت مقام الممكن من الواجب وقيامه به ، إذ أنه لو استقل عنه بالوجود ولو للحظة لاستغنى عن موجده في هذه اللحظة وشاركه من حيث الغنى بالألوهية . وعليه : فإن توحيد الألوهية لدى ابن عربي يقتضي بالضرورة توحيد الوجود . فما معنى الوجود لديه ؟

--> ( 1 ) يحيى ( عثمان ) ، نصوص تاريخية خاصة بنظرية التوحيد في الفكر الإسلامي ، ( الكتاب التذكاري لمحي الدين بن عربي ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، مصر ، 1389 ه / 1969 م ، ص 236 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 237 .